الشيخ محمد حسين الحائري

177

الفصول الغروية في الأصول الفقهية

على البدلية فلا يتعين حدهما الثالث أن هذه اللفظة محتملة للقلة والكثرة فإذا وردت في كلام الحكيم مجردة عن القرينة وجب حملها على الكل إذ لو أراد البعض لبينه وهذا الاحتجاج محكي عن الشيخ وأجيب عنه أولا بالمعارضة بأنه لو أراد الكل لبينه أيضا وهذه المعارضة كأصل الحجة تحتمل وجوها تصح على بعضها دون بعض وتوضيحه أن قول المستدل لو أراد البعض إن أراد به البعض على التعيين فصحيح لكن التعليل به عليل لأن عدم إرادة البعض على التعيين لا يوجب إرادة الكل على التعيين لجواز إرادة كل منهما لا على التعيين كما هو مفاد الجمع وإن أراد البعض لا على التعيين فإن أراد بالبيان مطلق البيان اتجه عليه المنع من بطلان التالي لأنه قد بين ذلك بلفظ الجمع المنكر الصالح للكل والبعض وإن أراد البيان بغيره اتجه عليه منع الملازمة وقول المجيب لو أراد الكل مستقيم على الوجه الأول وفاسد على الوجهين الأخيرين إلا أنه على التقدير الأخير يصح أن يكون إلزاميا وثانيا بأنا نمنع عدم القرينة لان كون أقل الجمع مرادا قطعا يصلح قرينة واعترض عليه بأنه لا يلزم من كون أقل المراتب مرادا قطعا أن لا يكون ما زاد عليه مرادا أيضا بل الوجه في الجواب أن اللفظ حيث كان موضوعا للقدر المشترك بين الكل والبعض كان محتملا لهما إلا أن أقل المراتب مراد قطعا وما عداه في محل الشك إلى [ إلا ] أن يقوم عليه دليل وليس فيه ما ينافي الحكمة وفيه أن اللفظ إذا كان محتملا للأقل والأكثر وكان الأقل معلوم الإرادة بخلاف الأكثر فإرادة الأقل منه لا يستدعي بيانا بل يكفي فيها التعويل على ترك البيان بخلاف إرادة الأكثر فيصح أن يعتبر ذلك قرينة على إرادة الأقل وإليه ينظر كلام المجيب هذا على ما يساعد عليه كلام المعترض في جوابه وإلا فالتحقيق أن لفظ الجمع إن كان موضوعا لاحد مصاديق ما فوق الاثنين لا على التعيين كما نقول به فإرادة ذلك لا يقتضي تعيين شئ من المصاديق ولا رجحانه وإن كان للقدر المشترك بين الأقل والأكثر كما عليه الأكثرون ظاهرا فإرادته لا يقتضي إرادة شئ من الخصوصيتين أو رجحان إرادتها فإن صدقه على الأقل على حسب صدقه على الأكثر من غير رجحان فبطل ما وقع في الجوابين من أن أقل المراتب مراد قطعا وأن غيره غير مراد أو مشكوك في إرادته نعم يتجه ذلك فيما إذا كان الحكم لاحقا له لا باعتبار الجمعية بل باعتبار الافراد فالصواب في الجواب أن يفصل بين ما إذا تعلق الحكم بالجميع باعتبار المجموع وبين ما إذا تعلق به باعتبار الافراد فيجاب على التقدير الأول بناء على المذهب المشهور في الجمع أما على القول بجواز تعلق الاحكام بالطبائع من حيث هي فبأن القصد لم يتعلق حينئذ بالافراد أصلا حتى يكون عدم بيان البعض قرينة على إرادة الكل وأما على القول الآخر فبأن الحكم على هذا القول يتعلق بمدلول الجمع باعتبار ما يصدق عليه من أفراده ولا ريب في أن نسبته إليها على نهج واحد من غير أن يكون هناك قدر متيقن وبهذا يجاب على المذهب المختار في الجمع أيضا ويختار في الجواب على التقدير الثاني بما ذكره المجيب الأول على التوجيه الذي ذكرناه نعم ينبغي أن يستثنى من ذلك صورة وهي ما إذا كان تعلق الحكم ببعض لا على التعيين موجبا للاجمال المنافي لمقتضي الحال كما لو قيل خلق الله مياها طاهرة أو أحل الله عقودا فإن طهورية جملة من المياه أو حلية جملة من العقود لا على التعيين غير معقول ومعه بدون البيان يوجب مخالفة الحكمة فيتعين التعميم وقد مر نظيره في المفرد المنكر هذا لكن ذلك في الجمع المنكر مجرد فرض لم نقف له في الكتاب والسنة على أثر فصل اختلفوا في أقل ما يصدق عليه الجمع فالأكثر على أنه ثلاثة وهو المختار وقيل اثنان ثم اختلف الأولون فمنهم من منع إطلاقه على ما دون الثلاثة مطلقا ومنهم من أجاز إطلاقه على الاثنين مجازا ومن هؤلاء من سرى الجواز إلى الواحد أيضا وهو جيد حيثما تساعد عليه العلاقة ودعوى الاطلاق كما يظهر من مدعيه ضعيفة ولنحرر أولا محل النزاع فنقول الظاهر أنه لا فارق في هذا النزاع بين سالم الجمع ومكسره واسمه وضميره وما دل على معناه من الموصول واسم الإشارة ولا بين مذكر هذه الأقسام ومؤنثها فيمكن أن يكون المراد بالجمع في عنوان هذا المبحث ما يعم هذه الأقسام توسعا من باب عموم المجاز ويمكن أن يكون المراد معناه المصطلح عليه وهو القسمان الأولان بقسميهما ويكون الباقي داخلا في النزاع معنى وتبعا وأما لفظ الجمع فلا ريب في خروجه عن هذا النزاع باعتبار معناه المصدري فإنه بهذا الاعتبار عبارة عن مطلق الضم وإطلاقه على الشيئين المجتمعين أو الأشياء المجتمعة توسع من باب إطلاق المصدر على معنى اسم المفعول وأما باعتبار معناه الاسمي فالنزاع ثابت فيه في الجملة فما حكاه العضدي عن المنتهى من دعوى الوفاق عليه غير مسموع أو محمول على الجمع باعتبار معناه المصدري أو يخص النزاع بمن تأخر عنه وكان هذا أظهر على ما يستفاد من الجواب المعروف عن الاحتجاج بحديث الجماعة فيمكن إدخاله في محل النزاع لا باستعمال لفظ الجمع فيه بأن يكون المراد به لفظه ومعناه فإنه غير جائز إذ ما يقتضي المنع من استعمال المشترك في أكثر من معنى واحد يقتضي المنع من ذلك أيضا بل باستعماله في معنى صادق عليه وعلى غيره والأولى أن يفسر الجمع في العنوان بمعناه المصطلح ويجعل شمول النزاع للبواقي باعتبار المعنى والتبعية وأما نحو نحن وإننا ونضرب وضربنا فلا نزاع في أنه حقيقة في الاثنين فما زاد وقد نبه عليه بعضهم وأما المجموع المضافة إلى التثنية والجمع فهي داخلة في النزاع باعتبار كونها حقيقة أو مجازا فما حكاه العضدي عن المنتهى من أن نحو صغت قلوبكما خارج عن محل النزاع لأنه موضع وفاق فهو بظاهره غير سديد فإن ظاهر إطلاقهم يأبى عن ذلك مع ما فيه من التزام الاشتراك في الجمع بحسب حال الإضافة وعدمها وهو بعيد لا يساعد عليه الذوق فالوجه أن يحمل كلامه على الاتفاق في جواز الاستعمال فإن ذلك غير بعيد نظرا إلى وقوعه في الكتاب العزيز ثم الظاهر منهم أن لا فرق بين جمع يكون مفرده فردا أو يكون زوجا أو جمعا فكما أن أقل الأول على القول بالثلاثة ثلاثة أفراد كذلك أقل الثاني ثلاثة أزواج وأقل الثالث ثلاثة جموع وإلى هذا ينظر قول من قال أقل جمع الجمع